هذا الموقِعُ، بالصّورَةِ التي يَمْثُلُ عَلَيْها اليَوْم، هوَ النُّسخةُ الثّالثةُ مِنْ «ديوان الذّاكرة اللبنانيَّة». وإذْ نَسْتَهِلُّ هذا التَّقْديمَ بهذِهِ الإشارَةِ فلأنَّ للأشْياءِ، كما للأحْياءِ، أنْسابًا لا بأسَ، أحْيانًا، مِنَ الرُّجوعِ إلَيْها ومِنَ التَّذْكيرِ بِها. 

وأمّا أنَّ هذِهِ النُّسْخَةَ مِنْ «ديوانِ الذّاكرةِ اللبنانيَّةِ» هيَ الثّالِثَةُ فلأنَّ نَسَبَ هذا الموقعِ يَرْقى إلى عامِ ٢٠٠٨، يومَ أطلقتْ أُمم للتَّوثيق والأبحاث مَشْروعًا حَمَلَ عنوان: «ما العَمَل؟ لبنانُ وذاكرتُهُ حمّالَةُ الحروب» كانَ قِوامُهُ مَجْموعَةٌ مِنَ النَّشاطاتِ البَحْثيَّةِ والثَّقافيَّةِ/الفَنِّيَّةِ التي تُخاطِبُ كُلُّ ذي/ذات اهْتِمامٍ بِتَدَبُّرِ ماضي هذا البَلَد، سواءٌ مِنْ بابِ الفَهْمِ المُجَرَّدِ لِما كان، أمْ مِنْ بابِ التَّأثيرِ على ما هو كائِنٌ ومُقْبِلٌ أنْ يكون. كذلك، رافَقَ «الدِّيوانُ»، قُرابَةَ عامَيْنِ كامِلَيْنِ نَشاطاتِ «ما العَمَل؟» وَوَثَّقها، وأرْفَقَ تَوثيقَهُ إيّاها بِنَشْرِ ما تَيَسَّرَ مِنْ وَثائِقَ بدا لأُمم أنْ وَضْعَها في التَّصَرُّفِ والتَّداولِ مِمّا يُغْني هذا النَّشاطَ أو ذاك. ثُمَّ كانَ مَعَ اخْتِتامَ نَشاطاتِ ذلك المَشْروعِ أنِ احْتَجَبَ المَوْقِعُ بَعْضَ الحينِ   احتجابًا إرادِيًّا عادَ بَعْدَهُ إلى الشَّبْكةِ والشّاشاتِ، على أواخِرِ ٢٠١٠، لا بِوَصْفِهِ تَبَعًا لمشروعٍ آخَرَ، وإنَّما بِوَصْفِهِ مَشْروعًا قائِمًا بِنَفْسِهِ على هيئَةِ قاعِدَةِ بَياناتٍ مَفْتوحَةٍ مَدارُها على لبنانَ في حَرْبِهِ وسَلامِهِ، وعلى الجاري مِنْ نِزاعاتٍ فيهِ أو عَلَيْه.

لَمْ تَنْقَطِعْ أُمم خِلالَ السَّنَواتِ (المَديدةِ) التي عاشَتْها النُّسْخَةُ الثّانِيَةُ من «ديوانِ الذَّاكرة اللبنانيَّة» عن السَّعْي الهُوَيْنى إلى تَطْويرِه، غَيْرَ أنَّ هذا السَّعْيَ، في الحَقيقَةِ، لَمْ يَتَجاوَز «التَّنْقيحَ» هُنا، و«الضَّبْطَ» هناكَ، و«الإصلاحَ» هنالك، على مَعْنى أنَّ فَذْلَكَتَهُ بَقِيَت، في المُجْمَلِ، على حالِها.  


شَيْئًا فَشَيْئًا، بِلِحاظِ ما جَرى في هذا البَلَدِ وجِوارِهِ، ويَجْري، وبِلِحاظِ ما اتَّسَعَهُ الفَضاءُ الرَّقْمِيُّ ويَمْضي فيهِ مِنِ اتِّساعٍ، بدا لنا أن تِلْكَ الفَذْلَكَةَ تَتَقادَمُ على نَحْوٍ لا يُغْني في الاسْتِدْراكِ عَلَيْه «التَّنْقيحُ» و«الإصْلاحُ»، وأنَّ الأوْجَبَ، بَلْ إنَّ الأوْجَهَ، هوَ إعادَةُ النَّظَرِ بالمَوْقِعِ رأسًا على عَقِب!     

فَلا فَهْمُنا لـ«السِّلْمِ والحَرْبِ»، على وَجْهِ العُمومِ، هوَ هوَ ما كانَ عَلَيْهِ لِسَنَواتٍ خَلَتْ، ولا فَهْمُنا لما يَخْتَلِفُ في لُبنانَ وعَلَيْهِ مِنْ نِزاعاتٍ، على وَجْهِ الخُصوص، هو هو، ولا تَقْديرُنا للفُسْحَةِ الزَّمَنِيَّةِ التي يُفْتَرَضُ بِديوانٍ للذّاكِرَةِ اللُّبنانيَّةِ أنْ يَسْتَغْرِقُها هوَ هو. فلقد انْبْسَطَ هذا الفَهْمُ أُفُقِيًّا، أي باعْتِبارِ الفُسْحَةِ الزَّمَنِيَّةِ التي يَنْبَغي التَّصَدّي لها، كما انْبَسَطَ عَموديًّا أيْ باعْتِبارِ المواضيعِ والمداخِلِ التي يُحْتاجُ إلَيْها للإحاطَةِ بِحَرْبِ لبنانَ وسِلْمِه.

هذا الانْبِساطُ هو ما تُحاوِلُ هذِهِ النُّسْخَةُ الثّالثةُ مِنْ «ديوانِ الذّاكرة اللبنانيَّة» التَّرْجَمَةَ عَنْه، وبِناءً عَلَيْهِ ما نَدَّعيهِ مِنْ أنَّ هذا الدِّيوانَ دَليلٌ إلى «السِّلْمِ» و«الحَرْبِ»، لا إلى واحِدٍ مِنْهُما دونَ الآخر!

ولأنَّ الفَضْلَ يَعْرِفُهُ ذَووه، فَلا اكْتِمالَ لهذا التَّقْديمِ دونَ اسْتِئْنافِ الشُّكْرِ الجَزيلِ لِكُلِّ الذينَ أتاحَ تَشْجيعُهُم المَعْنَوِيُّ والمادِيُّ لهذا الموقِعِ أنْ يُجَدِّدَ نَفْسَهُ، ودونَ التَّنْويهِ بِمَنْ جَرَى هذا التَّجْديدُ على أيْديهِم: كارين ذهبي هَنْدَسَةً وتَصْميمًا، وغِنى بربير تَطْويرًا وبرمَجَة.